مرتضى الزبيدي

24

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

بعينه يقتضي كون الجاه محبوبا ، بل يقتضي أن يكون أحب من المال ، كما يقتضي أن يكون الذهب أحب من الفضة مهما تساويا في المقدار ، وهو أنك تعلم أن الدراهم والدنانير لا غرض في أعيانهما إذ لا تصلح لمطعم ولا مشرب ولا منكح ولا ملبس ، وإنما هي والحصباء بمثابة واحدة ، ولكنهما محبوبان لأنهما وسيلة إلى جميع المحاب وذريعة إلى قضاء الشهوات ، فكذلك الجاه لأن معنى الجاه ملك القلوب ، وكما أن ملك الذهب والفضة يفيد قدرة يتوصل الإنسان بها إلى سائر أغراضه ، فكذلك ملك قلوب الأحرار والقدرة على استسخارها يفيد قدرة على التوصل إلى جميع الأغراض ، فالاشتراك في السبب اقتضى الاشتراك في المحبة ، وترجيح الجاه على المال اقتضى أن يكون الجاه أحب من المال ، ولملك الجاه ترجيح على ملك المال من ثلاثة أوجه : الأوّل : أن التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه ، فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه في القلوب لو قصد اكتساب المال تيسر له ، فإن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال ، وأما الرجل الخسيس الذي لا يتصف بصفة كمال إذا وجد كنزا ولم يكن له جاه يحفظ ماله وأراد أن يتوصل بالمال إلى